
كتب د. صادق كاظم: يحتل العراق موقعاً تقدماً في قائمة البلدان التي لديها ثروات معدنية هائلة تتوزع على أغلب محافظاته من غير البترول والغاز وهذه المعادن، بالرغم من اكتشافها وتحديدها في خرائط ومسوحات من قبل شركات أجنبية ومحلية قبل أكثر من 60 عاماً، إلا أنها لا تزال مخزونة في باطن الأرض ولم يستخرج سوى جزء بسيط منها.
صحيح أن قسماً منها تحول إلى منشآت صناعية وإنتاج حقيقي في سبعينيات وثمانينات القرن الماضي كالفوسفات والكبريت، إلا أن هذه المشاريع سرعان ما توقفت على إثر كارثة غزو الكويت وما تلاها من عقوبات دولية صارمة وصولاً إلى الحرب الأخيرة في العام 2003، وما أعقبها من عمليات إرهابية والتي أنهت تقريباً وجود هذه المصانع وإحالتها إلى التقاعد والتوقف القسري، ليخسر العراق بسبب ذلك موارد مالية طائلة، فضلاً عن موقع كان سيكون متميزاً في جداول التصدير العالمية.
قائمة المعادن الثمينة والمكتشفة المدرجة رسمياً ضمن خارطة التنوع والاكتشاف المعدني، تضم معادن وخامات الفوسفات والكبريت، السيلكا، الملح الصخري، الحديد والمنغنيز، الزئبق الأحمر، فضلاً عن الزنك والرصاص، وهذه المعادن تعتبر ثمينة ومطلوبة من قبل كبرى الشركات العالمية المتخصصة، حيث يعتبر العراق الاحتياطي الأول في العالم من معدن الكبريت والاحتياطي الثاني بعد المغرب من الفوسفات، وتقدر قيمة ثروات قطاع التعدين في العراق بحوالي 16 تريليون دولار، وهو مبلغ ضخم وكبير يمكن أن يسند الاقتصاد ويعمل على تنميته وتطويره.
وبسبب الطريقة الريعية التي اعتمدت كلياً على النفط كمورد دائم للاقتصاد أهمل قطاع التعدين بشكل شبه كلي في الماضي باستثناء قطاعي الفوسفات والكبريت، حيث كان بالإمكان الحصول على عوائد مالية تقدر بنحو 6 مليارات دولار سنوياً لو تم العمل على استخراج تلك المعادن وإدخالها في دورة الاقتصاد، فضلاً عن غياب الإرادة السياسية في تحويل تلك المعادن إلى واقع صناعي واقتصادي ملموس، حيث تم الاكتفاء بنوعين فقط من المعادن لغرض الإنتاج.
اليوم مع تراجع أسعار البترول وتقلباتها وتطور الصناعات العالمية وحاجتها المتزايدة إلى المواد الخام والأسواق ومع توسع أنشطة الشركات العالمية الباحثة عن فرص ثمينة للاستثمار في ظل مناخات تنافسية مستمرة ومحتدمة، بات فتح ملف التعدين ضرورياً وإعادة النظر بالطرق التقليدية التي يدار بها الاقتصاد والحاجة القصوى لتعظيم الإيرادات المالية وتنويعها لتلبية الاحتياجات المختلفة للبلاد، الذي بات البترول وحده عاجزاً عن تغطيتها.
إن استخراج المعادن النادرة والمهمة يتطلب في الواقع استثمارات ضخمة وخبرات تكنولوجية وتقنية متقدمة، وهو أمر يمكن للعراق الوصول إليه من خلال الدخول في الشراكات مع كبرى الشركات العالمية، التي ستسهم بنقل التكنولوجيا المتقدمة تلك، فضلاً عن توفير فرص العمل والوظائف المرتبطة بها مع إيجاد أسواق عالمية تجارية يمكن أن تستوعب منتجات البلاد من هذه المعادن، حيث يمكن العمل على إقامة صناعات تحويلية تدخل هذه المعادن فيها كإنشاء مصانع لإنتاج البطاريات الكهربائية لشركات السيارات العالمية، وكذلك مكونات الألواح الشمسية، إضافة إلى صناعات الزجاج والمواد الدقيقة والألياف البصرية والمعدات الهندسية والإلكترونية، والتي من الممكن أن تعمل على توسع سوق العمل المحلية عبر إقامة مصانع تكميلية لها، يمكن أن يعمل فيها عشرات الآلاف من الأيدي العاملة الفنية والماهرة من ذوي الاختصاصات العلمية والإدارية التي تتطلبها تلك الصناعات.
إقامة الشراكات والاستثمارات في قطاع المعادن تحتاج إلى الكثير من الجهود والخطوات، وتتطلب إصدار دليل وطني يتضمن مواقع المعادن وكمياتها، فضلاً عن قرار حكومي بدعوة الشركات العالمية الرصينة للدخول إلى السوق العراقية الواعدة، وكذلك إصدار القانون الوطني للاستثمار في قطاع المعادن، وهو أمر مهم جداً باعتبار أنه يوفر الغطاء القانوني لتنظيم العلاقة مع الجهات الاستثمارية، ويحمي الاقتصاد الوطني من مخاطر الهيمنة والاحتكار الأجنبي عبر اتفاقات عادلة ومنصفة.
الاستفادة من الثروة المعدنية المعطلة والغائبة عن خارطة الاقتصاد تمثل تحدياً رئيسياً وأساسياً، حيث يتطلب الأمر تحويلها إلى رؤية حقيقية، من خلال التخطيط السليم والصحيح ومحاربة الفساد الإداري والمالي، فضلاً عن خلق بيئة ومناخين جاذبين للاستثمار، وكذلك العمل على توطين الصناعات المتقدمة والمطلوبة عالمياً، والتي تدخل فيها هذه المعادن كمادة أساسية، والتي يمكن أن تسد حاجة الأسواق العالمية من تلك المنتجات المطلوبة بشدة، والتي ستعني أيضاً إمكانية أن تتحول البلاد إلى مركز رئيس في المنطقة لهذه الصناعات، من خلال وضع رؤية اقتصادية متدرجة وعلى مراحل تعمل على تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط.
إن دولة بحجم المغرب تمكنت بفضل استثماراتها وخبراتها في قطاع المعادن من التوصل إلى إنشاء قاعدة صناعية مهمة لتصدير مكونات الطائرات من المواد الإلكترونية الدقيقة، حيث تقوم بتصنيع أكثر من 40 بالمئة من الأجزاء المكونة للطائرة، ومنها أجزاء حساسة ومهمة تصنع فقط في بضع دول متقدمة، حيث أنها استفادت من تلك التجربة في إقامة بنى صناعية تحتية مهمة، والحصول على خبرات فنية ومهارات وأيدي عاملة تكنولوجية متقدمة، يقدر عددها بحوالي 30 ألفاً، إضافة إلى عوائد مالية تصل إلى ثلاثة مليارات دولار سنوياً



