ديوان الرقابة المالية يعلن المباشرة بإجراءات اعتماد التدقيق المسبق للعقود

أعلن ديوان الرقابة المالية الاتحادي، اليوم الاثنين، اعتماد منهج رقابي جديد يقوم على التدقيق المسبق للعقود الحكومية قبل إبرامها، بهدف تعزيز الرقابة الوقائية والاستباقية والحد من المخالفات والهدر في المال العام.
وقال نائب رئيس ديوان الرقابة المالية الاتحادي، الدكتور قيصر غازي الساعدي، للوكالة الرسمية تابعتها “خليك ويانة” إن “الديوان وحسب توجيهات رئيس مجلس الوزراء، علي فالح الزيدي، سيعتمد في التدقيق المسبق للعقود منهجاً رقابياً يقوم على فحص مراحل وإجراءات التعاقد قبل إبرام العقد، بدلاً من الانتظار إلى ما بعد إبرامه والمضي بإجراءات التنفيذ لاكتشاف المخالفات في مراحل لاحقة”، لافتا إلى ان “الهدف من هذا التوجه هو الانتقال بالرقابة من التركيز على اكتشاف المخالفات ومعالجة آثارها بعد وقوعها، إلى تعزيز الرقابة الوقائية والاستباقية، بما يسهم في معالجة مواطن الخلل في مراحل مبكرة وقبل أن تتحول إلى التزامات مالية أو قانونية على الدولة”.
وأوضح أن “آلية التدقيق المسبق ستركز على عدد من الجوانب الأساسية، من بينها سلامة إجراءات التعاقد، وعدالة وشفافية المنافسة بين الشركات المتقدمة، والتأكد من رصانة وكفاءة الشركات المنفذة، فضلاً عن تدقيق الكلف والأسعار والتأكد من عدم المبالغة فيها”، مبيناً أن “التدقيق سيشمل كذلك مدى توافق إجراءات التعاقد مع القوانين والأنظمة والتعليمات النافذة، وملاءمة المواصفات الفنية لطبيعة الاحتياج الفعلي، فضلاً عن الضمانات والغرامات التأخيرية الكفيلة بحماية حقوق الدولة”.
وأوضح الساعدي، أن “تدقيق مراحل وإجراءات التعاقد لا يعني تعطيل إجراءات التعاقد أو الحلول محل الجهة المتعاقدة في اتخاذ القرار، وإنما يمثل خط دفاع وقائياً يساعد في تصحيح مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى هدر للمال العام أو انحراف في المواصفات أو سوء في تنفيذ المشاريع”.
فرق متخصصة
ولفت الساعدي إلى أن “ديوان الرقابة المالية الاتحادي باشر اتخاذ جملة من الإجراءات العملية لتنفيذ القرار”، مبيناً أن “مجلس الرقابة المالية في الديوان أصدر قراراً بتشكيل فرق رقابية متخصصة لتدقيق العقود، بواقع 7 فرق في بغداد و14 فريقاً في المحافظات، بما يتيح تغطية نطاق واسع من العقود والجهات الخاضعة للرقابة”.
وأضاف أن “الديوان شرع بإعداد برامج تدقيق متخصصة بهدف توحيد منهجية العمل الرقابي، ومساعدة الفرق المشكلة على أداء مهامها وفق معايير وإجراءات واضحة، وبما يضمن التركيز على مواطن المخاطر الجوهرية في العقود”.
منصة إلكترونية
وأشار الساعدي إلى أن “الديوان وفي إطار مواكبة التحول الرقمي وتسريع إجراءات العمل، يجري التنسيق مع مركز التحول الرقمي التابع لمكتب رئيس مجلس الوزراء لإعداد منصة إلكترونية لتسلم أوليات العقود وإرسال نتائج التدقيق، بما يضمن انسيابية الإجراءات وسرعة إنجاز المعاملات والنتائج الرقابية”، مؤكدا أن “العمل يجري أيضاً على الاستعانة بالخبراء والملاكات الهندسية والفنية في المكاتب الاستشارية والنقابات المهنية، ولا سيما في الحالات التي تتطلب خبرات تخصصية، بهدف تدقيق المواصفات الفنية المعقدة والكلف التخمينية والأسعار، والحد من أي انحراف في المواصفات أو مبالغة في الأسعار”.
وأوضح أن “الآلية الجديدة لا تقتصر على التدقيق المالي والقانوني، وإنما تتجه إلى بناء منظومة رقابية متكاملة تجمع بين التدقيق المالي والقانوني والفني، والاستفادة من الخبرات التخصصية والتحول الرقمي”.
تطوير المنظومة الرقابة
وبيّن الساعدي أن “الآلية السابقة كانت تقوم على تدقيق العقد بعد توقيعه ودخوله حيز التنفيذ، واختيار عينة من العقود وفق خطة العمل الرقابي، ثم إحالة المخالفات المكتشفة إلى الوزارة المختصة أو هيئة النزاهة بحسب جسامة المخالفات” مشيراً إلى أن “هذا الأسلوب معمول به في عدد من أجهزة الرقابة العليا في دول العالم والمنطقة ووفق المعايير الدولية للتدقيق”.
وأوضح أن “إجراءات التدقيق السابق لإبرام العقود كانت تقع على عاتق أقسام ومديريات التدقيق الداخلي في الجهات الحكومية، فيما يمثل التوجه الجديد تعزيزاً للدور الوقائي للرقابة المالية من خلال إسناد صلاحية التدقيق المسبق للعقود إلى ديوان الرقابة المالية الاتحادي، بما يوفر جهة رقابية متخصصة ومستقلة تتولى فحص العقود قبل ترتيب آثارها المالية”.
وأكد أن “اللجوء إلى هذه الآلية لا يعني بالضرورة أن الآليات السابقة كانت عديمة الفاعلية، وإنما يعكس الحاجة إلى تطوير منظومة الرقابة بما يتناسب مع حجم العقود الحكومية وتعقيدها وتزايد المخاطر المالية المرتبطة بها”.
وأشار الساعدي إلى أن “أهمية القرار تكمن في أن التدقيق المسبق يمكن أن يشكل حاجزاً رقابياً قبل التعاقد، فإذا اكتشف الديوان خللاً جوهرياً في الإجراءات أو الشروط أو الكلف، يمكن للجهات الحكومية معالجته قبل توقيع العقد، بدلاً من اكتشافه بعد التوقيع وبدء التنفيذ، حيث تصبح المعالجة أكثر صعوبة وقد تترتب على الدولة التزامات مالية وقانونية أو نزاعات ودعاوى قضائية”.
الحد من الفساد
وأكد الساعدي أن “تعزيز الرقابة الوقائية على العقود يمكن أن يسهم بصورة فاعلة في الحد من فرص الفساد المالي والإداري وتقليل آثاره، ولا سيما أن جانباً مهماً من مخاطر الفساد يرتبط بمراحل التعاقد الحكومي، سواء من خلال التلاعب في إجراءات الإحالة أو المبالغة في الأسعار والكلف أو تمرير مواصفات لا تتناسب مع الاحتياج الفعلي أو تدني جودة المواد والأعمال المنفذة مقارنة بحجم الإنفاق العام”.
وذكر أن “منع الفساد قبل وقوعه أفضل بكثير من اكتشافه بعد حدوثه”، موضحاً أن “اكتشاف المخالفة بعد تنفيذ العقد قد يعني أن المال العام قد أنفق، وأن معالجة آثار المخالفة تصبح أكثر صعوبة وكلفة”.
وأضاف، أن “وجود جهة رقابية مستقلة في هذه المرحلة من شأنه أن يعزز الشفافية وتكافؤ الفرص والمساءلة، ويحد من إمكانية تمرير الأسعار غير المبررة أو الإجراءات المخالفة قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ”.
وأشار إلى أن “أساليب الفساد والتلاعب تتطور وتتخذ صوراً متعددة، الأمر الذي يفرض على الأجهزة الرقابية تطوير أدواتها وأساليبها بصورة مستمرة ومواكبة المخاطر والأساليب الاحتيالية المحتملة في إبرام وتنفيذ العقود الحكومية”.
وأكد، أن “مخاطر الفساد لا تقتصر على الأثر المالي المتمثل في هدر المال العام، وإنما تمتد إلى آثار أعمق تمس ثقة المواطن بمؤسسات الدولة”، مشدداً على أن “مواجهة الفساد ليست مسؤولية جهة واحدة، وإنما هي معركة مؤسسية ومجتمعية تتطلب تكامل أدوار الأجهزة الرقابية والتنفيذية والتشريعية وتعزيز الشفافية والمساءلة وتطبيق القانون”.
ولفت الى أن “ديوان الرقابة المالية الاتحادي، بما يمتلكه من خبرات وكوادر مهنية، حريص على أداء دوره الرقابي بكل مهنية واستقلالية وموضوعية، والمساهمة في حماية المال العام وتعزيز كفاءة الإنفاق الحكومي بما يخدم الدولة والمواطن”.


