
كتب برهان المفتي: يهدف معظم أصحاب الحسابات على مواقع برامج وتطبيقات التواصل الاجتماعي إلى كسب الإعجاب وزيادة عدد المشاهدات، وإعادة النشر والحمل والمشاركة، ولتحقيق ذلك، ينشر أولئك فيديوهات لا تحمل قيمة فكرية ولا معلومة علمية، بل فيديوهات يتعمدون فيها مواقف غير منطقية وغير عقلانية لإثارة فضول المشاهدة، ومع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي صار تصميم وإنتاج مثل تلك الفيديوهات شائعاً جداً، وارتفع مؤشر استخدام مواقع التواصل الاجتماعي إلى مستوى إدمان مرضي.
ولكن، هل يعلم أولئك ما هو التأثير البيئي لهذا الفيديوهات؟ هل هناك جهة تنظيمية تفرض على أصحاب المشاهدات العالية مسؤولية بيئية؟.
يعرف المتخصصون بالهندسة البيئية وإدارتها، وكذلك المختصون بإدارة الطاقة، أن كل فعالية على الإنترنت – مثلاً إرسال رسالة إلكترونية أو تحميل ملف أو فيديو – لها انبعاثات مكافئة من غاز ثاني أوكسيد الكربون المسبب للاحتباس الحراري وبالنتيجة التغيير المناخي، فالطاقة الكهربائية هي طاقة ثانوية متولدة من طاقة رئيسة في محطات توليد الطاقة الكهربائية، والكمية العظمى من الطاقة الكهربائية تأتي من محطات تعتمد على الوقود الأحفوري والتي تصدر انبعاثات غازية ضارة إلى الجو أثناء احتراقها في محطات الطاقة، أما في حالات توليد الطاقة الكهربائية من محطات تعتمد على الطاقة المتجددة، مثل الألواح الشمسية، أو أبراج الرياح، فإن الانبعاثات تكون مترافقة مع الخدمات اللوجستية والصيانة لإدامة المحطة، وهذا يعني أن أي أمبير من الكهرباء له كمية مكافئة ومرافقة من الانبعاثات الغازية الضارة على البيئة وجودة الهواء، وخاصة غاز ثاني أوكسيد الكربون.
كما أن شبكة الإنترنت العالمية تستخدم خوادم ضخمة بكفاءة عالية وسرعات كبيرة جداً، مما تتطلب استهلاك كمية هائلة من الطاقة الكهربائية في منظومة التبريد لهذه الخوادم، كل هذه لها تأثيرات بيئية مباشرة وغير مباشرة.
ولتقريب الصورة أكثر فإن أي رسالة إلكترونية بسيطة دون مرفقات لها انبعاث مكافئ يختلف قيمته باختلاف محطة الكهرباء وشبكة الكهرباء وتتراوح الكمية بين (0.3 – 1.0) غرام غاز ثاني أوكسيد الكربون، وتتضاعف هذه الكمية بشكل كبير في حال وجود مرفقات وملفات مع الرسالة، وفي حال إرسال الرسالة إلى مجموعة من المتلقين فإن الكمية تضرب بعدد الأشخاص الذين يستلمون الرسالة ويفتحونها.
أما في حالة تحميل ملف فيديو فإن تأثيره البيئي أعلى بكثير بسبب زمن التحميل وحجم الملف ودقة ملف الفيديو (عالية الوضوح) حتى تصل إلى (50) غراماً من غاز ثاني أوكسيد الكربون، وبزيادة عدد مرات المشاهدة تتصاعد الكمية من الغرام إلى الكيلو (الكيلو يساوي ألف غرام).
هذه التفاصيل العلمية مهمة لربط مواقع التواصل وحساباتها مع البيئة، ودون الدخول في حسابات ومعادلات معقدة تربك القارئ، نقول إن الاستخدام المفرط لوسائل وحسابات التواصل الاجتماعي في حمل ونشر الفيديوهات له تأثير بيئي ضار، لذلك على ناشر الفيديو أن يسأل نفسه عن القيمة التي ينشرها في الفيديو، وهل تلك القيمة تقبل هذا الضرر البيئي؟.
غير أن الكثير من الناشرين و(المؤثرين) لا يسألون أنفسهم هذا السؤال بسبب قلة الوعي البيئي، أو بسبب غفلتهم عن ذلك، فالأهم بالنسبة لهم هو عدد المشاهدات والإعجاب وإعادة النشر، أما البيئة فليست في حساباتهم أثناء تحضير الفيديو وتحميله والتفكير بالفيديو القادم.
هناك مقترحات وحلول في هذا الجانب، ولكن علينا البداية من معالجة الإدمان الرقمي، وتقليل ساعات استخدام تطبيقات ومواقع وصفحات التواصل الاجتماعي، وتشجيع الهوايات للمراهقين والمراهقات (الفئة الأكثر استخداماً لمواقع التواصل الاجتماعي)، وبعد ذلك من الممكن وضع محددات تقنية مثل تحديد حجم ملف الفيديو، أو إلزام ضغط الملف قبل تحميله لتقليل الحجم، وتحديد دقة الفيديو (كلما زادت الدقة زاد التأثير البيئي ضرراً)، وكذلك نصب برامج تقوم بتنظيف الحسابات بصورة تلقائية لحذف الإيميلات القديمة وغير المهمة، وكذلك الفيديوهات القديمة من الحسابات الشخصية على الإنترنت، لأن التخزين على الإنترنت يحتاج استخدام بيانات ومعالجتها، وكميات كبيرة من الكهرباء تتناسب طردياً مع حجم الصور والفيديوهات الإيميلات، ووضع مدة زمنية محددة لكل ملف كبير على الحسابات الشخصية، ويقوم الحساب بإتلاف هذه الملفات الكبيرة وإزالتها من الإنترنت بعد مرور تلك الفترة الزمنية.
ومثل هذه الحلول تسير بمسارين، مسار شخصي يعتمده صاحب الحساب، ومسار مؤسساتي تعتمده الجهات ذات العلاقة بشبكة الإنترنت والاتصالات، وفي المسارين يظل الوعي بالبيئة والتحديات البيئية هو الموجّه لأي إجراء شخصي أو مؤسساتي.
فعلى صعيد الحسابات الشخصية، يدفع الوعي البيئي بصاحب الحساب إلى الاهتمام بنوعية النشر وقيمته والتقليل من الفيديوهات غير الضرورية، ونصب برامج وتطبيقات تنظيف الهاتف الشخصي والحسابات الشخصية بصورة دورية ومنظمة، وتحويل اهتمامه من الإدمان الرقمي إلى هوايات يومية داخل البيت وخارجه، وفي هذا الجانب يكون للمدرسة دور توجيهي بتشجيع الهوايات في فعاليات مدرسية تنافسية.
أما الدور المؤسساتي التي تقوم به الجهات ذات العلاقة فيكون بفرض رسوم تحميل عالية على التطبيقات التي تعتمد على الفيديوهات، ومنع التطبيقات التي تستهدف المراهقين والمراهقات والتي تسبب إدماناً رقمياً يربطهم بصورة مرضية بعدد المشاهدات والإعجاب، ويكون هذا الإجراء بين الجهة المزودة للخدمة والجهات التي تصدر وتصمم تلك التطبيقات والبرامج.
مثل هذه الإجراءات تتطلب وضع برامج بيئية متعدد المستويات، وكذلك معرفة بإدارة الطاقة وأنواع الطاقة (الرئيسة والثانوية)، وحملات مجتمعية لمعالجة الإدمان الرقمي، والاهتمام بنوعية النشر، وكل ذلك يعتمد على نظرتنا إلى البيئة نظرة تكاملية شاملة، لكل فرد ومؤسسة دور ومسؤولية في تحقيق الحفاظ على أعلى جودة للبيئة التي يعيش فيها.



