
كتب عبد الزهرة محمد الهنداوي: على وقع تطورات إقليمية ودولية متسارعة، تقابلها تحديات داخلية متراكمة يشهدها العراق، جاءت ولادة الحكومة العراقية التاسعة منذ عام 2003 برئاسة السيد علي الزيدي، في لحظة بالغة الحساسية، تتطلب من هذه الحكومة شدَّ الأحزمة والانطلاق منذ اللحظة الأولى، لأنّ طبيعة المرحلة لا تحتمل الانتظار أو إضاعة الوقت في الحسابات التقليدية.
وإلى حين اكتمال تشكيلتها الوزارية عبر تسمية الوزراء الذين لم يُحسم أمرهم في الجولة الأولى، فإنّ المسؤولية تفرض على الحكومة الشروع الفوري بتنفيذ منهاجها الوزاري الذي نال ثقة مجلس النواب، عبر ترجمته إلى برنامج حكومي عملي، قائم على سياسات واضحة وإجراءات قابلة للتنفيذ، تسهم في معالجة الملفات الضاغطة والمعقدة التي تثقل كاهل الدولة والمواطن على حد سواء.
وفي مقدمة هذه الملفات، يبرز ملف الطاقة والكهرباء بوصفه الاختبار الأهم أمام الحكومة الجديدة، خصوصاً وأن ولادتها جاءت متزامنة مع حلول فصل الصيف الذي لا يرحم! إلى جانب الملف الاقتصادي الذي بات مصدر قلق يومي للشارع العراقي، خصوصاً مع تصاعد المخاوف بشأن قدرة الدولة على تأمين الرواتب والنفقات الحاكمة، في ظل اضطراب أسواق الطاقة العالمية، وتأثر صادرات النفط العراقية نتيجة التوترات الإقليمية، وفي مقدمتها تداعيات إغلاق مضيق هرمز، وتعثر حركة الملاحة فيه.
ولا تقف التحديات عند حدود الطاقة والاقتصاد فقط، بل تمتد إلى ملفات أكثر حساسية وتعقيداً، يأتي في مقدمتها ملف المياه، الذي بات يشكل تهديداً وجودياً للأمن الوطني، في ظل تراجع الإطلاقات المائية من دول المنبع، وتفاقم آثار الجفاف والتغير المناخي، الأمر الذي يتطلب تحركاً دبلوماسياً وفنياً عاجلاً، يحفظ حقوق العراق المائية ويمنع تحوّل الأزمة إلى كارثة تنموية واجتماعية.
كما يظل ملف السلاح المنفلت أحد أبرز الاختبارات الحقيقية لهيبة الدولة، إذ لا يمكن بناء اقتصاد مستقر أو بيئة استثمارية آمنة أو مجتمع مطمئن، من دون حصر السلاح بيد الدولة وفرض سيادة القانون على الجميع بلا استثناء، بعيداً عن الانتقائية أو الحسابات السياسية الضيقة.
أما ملف العلاقات الخارجية، فهو الآخر يحتاج إلى إدارة متوازنة وهادئة، تحفظ للعراق مكانته ومصالحه، وتُبعده عن سياسة المحاور والصراعات الإقليمية، عبر انتهاج دبلوماسية قائمة على المصالح الوطنية العليا، لا على ردود الأفعال أو ضغوط اللحظة، حيث نجحت حكومة السيد السوداني في هذا الملف نجاحاً مهماً، ينبغي تأصيله من قبل الحكومة الجديدة.
وفي الداخل، يبقى ملف المتابعة الميدانية لعمل الوزارات والمؤسسات من أهم عناصر النجاح الحكومي، إذ إنّ كثيرا من البرامج تتعثر لا بسبب ضعف التخطيط، بل نتيجة غياب الرقابة والتنفيذ الحقيقي على الأرض، فالمواطن لا يحاكم الحكومات على ما يُكتب في المنهاج الوزاري، بل على ما يلمسه في الشارع من خدمات وفرص واستقرار (نظرية قص الشريط وليس وضع حجر الأساس)، ومشاريع فك الاختناقات المرورية في العاصمة أنموذجاً، إذ لمسها المواطن البغدادي لمس اليد.
إنّ نجاح الحكومة لن يُقاس بحجم الوعود، بل بقدرتها على اتخاذ قرارات شجاعة وسريعة، تمنح المواطن شعوراً بأنّ الدولة قادرة على إدارة الأزمات لا الاكتفاء بمراقبتها، فالمرحلة الحالية لا تحتاج إلى حكومة إدارة يومية، بل إلى حكومة مواجهة، تمتلك رؤية اقتصادية واضحة، وإرادة إصلاح حقيقية، واستعداداً لتحمّل كلفة القرارات الصعبة قبل فوات الأوان.



