مقالات
أخر الأخبار

“عفن الدماغ” في العصر الرقمي

كتبت د. نجلة محسن خلف: في لحظة يومية عابرة، يفتح أحدهم هاتفه ليتفقد إشعاراً سريعاً، لينتهي به الأمر بعد دقائق أو ساعات غارقاً في سيل لا نهائي من المقاطع القصيرة غير قادر على تذكر ما كان يبحث عنه أصلاً.

هذه الحالة لم تعد استثناء، بل تحولت إلى نمط إدراكي جديد يعكس أزمة العصر الرقمي، فلقد بيّن معهد علوم الحوسبة والمعلومات في هولندا (ICIS)، بأن عملية تدفق المعلومات (Information Flow) لم تعد مجرد عملية نقل للبيانات، بل أصبحت نظاماً تفاعلياً معقداً يتسم بالديناميكية والتأثير المتبادل بين الدماغ البشري والتكنولوجيا.

لقد كشفت الدراسات الحديثة، أن “النماذج التقليدية في نظم المعلومات، التي كانت تختزل العملية في مدخلات ومخرجات باتت عاجزة عن تفسير واقع المحتوى الرقمي المتسارع، حيث تتداخل البيانات وتتكرر وتعاد صياغتها ضمن بيئة مشبعة بالضوضاء الرقمية (Digital Noise)”.

في هذا السياق يبرز مفهوم التدفق التفاعلي للمعلومات (Interactive Information Flow) بوصفه إطاراً أكثر قدرة على تفسير هذه الظاهرة، إذ ينظر إلى المعلومات ككيان ديناميكي يتأثر بالذاكرة البشرية والتغذية الراجعة المستمرة.

لم تعد وفرة المعلومات تمثل قيمة معرفية أكثر بل غالباً ما تعني الإرهاق المعرفي (Cognitive Fatigue) معرفة أقل عمقاً، ضوضاء المعلومات، وتشتت في الإدراك أو الانتباه، وهي جميعها تعيد تشكيل مكونات نظم المعلومات والعلاقة بين الإنسان والمعرفة في البيئة الرقمية، فالمعلومات الرقمية تتعرض للتشويه أو الفقد التدريجي نتيجة التعرض المستمر لمحتوى رقمي متسارع ومجزأ، وتلعب الذاكرة البشرية دوراً محورياً في إعادة تشكيل هذه المعلومات مما يؤدي إلى بناء إدراك غير مستقر يتأثر بسرعة التدفق لا بعمق المحتوى.

في هذا الإطار بينت دراسة علمية نشرت في مجلة “إنتر ميديا” الدولية الإلكترونية، تناولت مفهوم التآكل المعرفي الذاتي (Subjective Cognitive Decline) بوصفه أحد المؤشرات المبكرة لهذا التحول الإدراكي، يعرف هذا المفهوم بأنه إدراك الفرد لانخفاض قدراته المعرفية كالذاكرة والتركيز مقارنة بحالته السابقة، رغم عدم وجود دليل سريري واضح في الاختبارات النفسية العصبية.

بمعنى آخر يشعر الفرد بتراجع ذهني لا تؤكده الاختبارات الطبية، وهو ما يعكس فجوة الإدراك الذاتي والقياس العلمي، وتتأثر هذه الحالة بعوامل متعددة منها المستوى التعليمي، والحالة النفسية كالقلق والاكتئاب والعوامل الوراثية، مما يجعله ظاهرة متعددة الأبعاد وليست مجرد انعكاس طبيعي للتقدم في العمر.

وعند الانتقال إلى تحليل البيئة الرقمية المعاصرة تبرز تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل (TikTok) كنموذج واضح للتدفق المعلوماتي المتسارع، إذ تقوم هذه المنصات على آليات تصميم تستهدف جذب الانتباه خلال الثواني الثلاث الأولى، مع توفير تمرير لا نهائي لمحتوى رقمي قصير متنوع وغالباً غير مترابط.

هذا النمط من الاستهلاك السريع للمعلومات يؤدي إلى ما يمكن تسميته بـ المعالجة السطحية (Surface Processing) حيث يتم استقبال المحتوى دون تحليله بعمق أو ربطه بسياق معرفي أوسع.

فقد أشارت دراسة علمية في المجلة العربية لبحوث الاتصال والإعلام الرقمي، لهذا العام، إلى انخفاض متوسط فترة الانتباه لدى الشباب إلى نحو 8 ثوانٍ، في دلالة على التحول العميق في أنماط التركيز، إن هذا التغير لا يعكس فقط تطوراً تقنياً بل يشير إلى إعادة تشكيل في البنية الإدراكية ذاتها، حيث تصبح القيمة المعرفية للمحتوى مرتبطة بقدرته على الجذب السريع، لا بالعمق المعرفي التحليلي أو العلمي.

ولا يقتصر تأثير هذا النمط من المحتوى على الفرد، بل يمتد إلى البنية المجتمعية حيث يسهم المحتوى الرائج (Trends) في تشكيل ما يمكن وصفه بـ الوعي الجمعي الزائف (Collective Consciousness)، فالتصفح اللامتناهي لا يعيد تشكيل تفضيلات الأفراد بل يعيد بناء إدراكهم للواقع، في بيئة تتراجع فيها المعايير المعرفية لصالح الانتشار والسرعة.

وهنا يصبح الذكاء الرقمي (Digital Intelligence) خط الدفاع الأول كآلية تحمي العقل من الانزلاق نحو الاستهلاك السلبي للمحتوى غير الهادف الذي يعد البيئة الخصبة لما يعرف بـ عفن الدماغ (Brain Rot).

من هذا المنطلق يسعى هذا المقال إلى فهم تدفق المعلومات كعملية تفاعلية تتطلب فهم كيفية إدارة المعلومات التفاعلية الرقمية، مما يفتح آفاقاً جديدة لتطوير آليات حماية الدماغ البشري مما يسمى بـ عفن الدماغ ليعبر عن هذه الحالة من التآكل المعرفي الذاتي الناتج عن الاستهلاك المفرط للمحتوى الرقمي السطحي.

وقد تم اختيار هذا المصطلح (كلمة العام) 2024 من قبل قاموس “أكسفورد Oxford University Press”، إذ يشير إلى تراجع القدرة على التركيز طويل المدى، وضعف مهارات التفكير الناقد، وتآكل العمليات الذهنية المعقدة نتيجة التعرض المستمر لمحتوى مجزأ وعالي التحفيز البصري، كتعبير مجازي لتصاعد القلق العالمي من تأثيرات البيئة الرقمية على القدرات العقلية.

في الختام، لم يعد التعامل مع المحتوى الرقمي خياراً فردياً معزولاً، بل أصبح مهمة معرفية مجتمعية تتطلب تدخلاً واسعاً وواعياً لمواجهة عفن الدماغ لا برفض التكنولوجيا بل بإعادة توجيه الاستخدام نحو تعزيز التفكير العميق.

ويشمل ذلك تدريب الدماغ على التركيز المستدام، وتشجيع القراءة التحليلية العميقة، إن الجمع ما بين علم المعلومات وعلم الأعصاب قد يفتح آفاقاً جديدة لفهم أعمق لهذه الظاهرة ووضع أسس علمية للتعامل معها، وضرورة إعادة التفكير في كيفية فهم تدفق المعلومات داخل الفضاء الرقمي التفاعلي، وبناء محتوى رقمي رصين يوازن بين الجذب والقيمة المعرفية، كما تتحمل المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني مسؤولية مشتركة في تهذيب بيئة المحتوى الرقمي.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى