
كتب سيف الحمداني: مع كل تحول سياسي جديد وانطلاق دورة حكومية مرتقبة، يتجدد الجدل في العراق حول معيار تقييم المسؤول: هل تُقاس الأهلية بقوة الخطاب وفصاحة البيان، أم بقدرة الفعل ونتائج الإدارة على أرض الواقع؟.
في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد تأثير الفضاء الرقمي، برزت ظاهرة لافتة في التعاطي مع الخطاب السياسي، حيث أصبحت الهفوات اللغوية أو التعابير غير الدقيقة في بعض الظهورات الإعلامية الأولى لبعض المسؤولين مادة للنقاش الواسع، وأحياناً للتداول المكثف، بما يطغى على مضمون السياسات ذاتها ومسارات العمل الحكومي.
هذا التحول يعكس طبيعة الإعلام الجديد، الذي يمنح “اللقطة السريعة” قدرة على صناعة انطباع عام خلال وقت قصير، بغض النظر عن السياق الكامل للحدث أو عمق الملفات المطروحة.
وهنا يطرح سؤال نفسه: هل نحن أمام حساسية شعبية طبيعية تجاه الأداء العام، أم أمام إعادة تشكيل للأولويات العامة بفعل ضغط الصورة أكثر من مضمون الفعل؟.
في الواقع، كثيراً ما يؤدي تضخيم الهامش على حساب الجوهر إلى إزاحة النقاش من مساره الحقيقي، خصوصاً حين تتراجع أدوات الاتصال المؤسسي القادر على شرح القرارات وتوضيح السياقات، فضعف التواصل الرسمي، أو غياب الإعداد الإعلامي الكافي لبعض المسؤولين، يضاعف أثر أي خطأ لفظي أو ارتباك في الظهور الأول أمام الجمهور.
وفي هذا السياق، فإن بعض الملاحظات اللغوية التي رافقت بدايات الظهور الإعلامي لعدد من المسؤولين أسهمت في توسيع مساحة الجدل، وهو ما يعكس من جهة حساسية الرأي العام، ومن جهة أخرى هشاشة منظومة الإعداد والتواصل داخل بعض المؤسسات.
ومع ذلك، يبقى السؤال الأهم: ماذا يريد العراقيون اليوم من المسؤول؟ بعد تجارب سياسية متراكمة، أصبح المزاج العام أكثر ميلاً إلى النتائج الملموسة من الخطاب، فالمواطن اليوم لا ينتظر بلاغة القول بقدر ما ينتظر تحسناً في الخدمات، واستقراراً في ملف الكهرباء، وتنظيماً في البنى التحتية، وتوسيعاً لفرص العمل، وتعزيزاً لسيادة القانون، فالشرعية في الوعي الجمعي باتت تُقاس بما يتحقق على الأرض، لا بما يُقال في المؤتمرات أو يُتداول في المنصات.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن إدارة الدولة لا تكتمل بالإنجاز وحده، بل تحتاج أيضاً إلى خطاب واضح يشرح ويقنع ويقرب المسافة بين المواطن وصانع القرار، فالمسؤول الناجح هو من يجمع بين الفعل والتواصل، لا من يكتفي بأحدهما.
إن الحكومات لا تملك رفاهية الزمن المفتوح، بل تُقاس سريعاً بقدرتها على تحويل الوعود إلى نتائج، وأي تقييم جاد ينبغي أن ينصرف إلى ما يتحقق فعلياً من أثر، لا إلى مقاطع مجتزأة أو هفوات لغوية تُضخَّم خارج سياقها.
لكن في المقابل، لا ينبغي أيضاً التقليل من أهمية الخطاب العام، لأن ضعف التعبير أو ارتباك الرسالة قد يفتح الباب أمام تأويلات تضعف الثقة وتربك العلاقة بين الدولة والمجتمع.
المشكلة ليست في زلة لسان هنا أو تعبير غير دقيق هناك، بل في غياب منظومة متكاملة لصناعة رجل الدولة: إعداد سياسي، وتأهيل إعلامي، وقدرة على تحويل اللغة إلى أداة حكم لا إلى عبء عليها، وما لم يُدرك صانع القرار أن الكفاءة التنفيذية وحدها لا تكفي، وأن الخطاب ليس تفصيلاً ثانوياً بل جزء من إدارة الدولة الحديثة، فسنظل ندور بين مسؤولين يجيدون العمل بصمت، وآخرين يجيدون الكلام بلا أثر… بينما المطلوب هو نموذج واحد فقط: من ينجز ويقنع في آن واحد، دون أن يترك فراغاً يملؤه الضجيج.



