
كتب عبد الزهرة محمد الهنداوي: مع تكليف رئيس مجلس الوزراء السيد علي الزيدي، عقب توافق الإطار التنسيقي، دخلت حكومة السيد محمد شياع السوداني، مرحلة تصريف الأعمال اليومية الفعلية، بعد انتهاء دورتها التنفيذية وانتقالها إلى محطة التسليم والاستلام، وهي المرحلة التي تُعد من أكثر المراحل حساسية في عمر الحكومات، لما تحمله من مسؤولية الحفاظ على استمرارية الدولة وضمان انتقال سلس للسلطة التنفيذية.
وقد واصلت الحكومة الحالية أداء مهامها رغم أنها أصبحت حكومة منقوصة العدد، بعد انتقال عدد من وزرائها إلى مجلس النواب، الأمر الذي أدى إلى إدارة عدد من الوزارات بالوكالة، في ظل تحديات داخلية وخارجية معقدة فرضت نفسها على المشهد العام.
وفي الوقت الذي يترقب فيه الداخل العراقي، ومعه المجتمع الدولي، نجاح رئيس الوزراء المكلف في إنجاز مهمته ضمن السقف الدستوري المحدد بثلاثين يوماً، تتجه الأنظار إلى ما يُعرف بـ”الحقيبة الوزارية“، وهي الوثيقة التي يُفترض أن يسلّمها كل وزير إلى خلفه، متضمنة واقع الوزارة وإنجازاتها وتحدياتها والملفات العالقة والفرص المتاحة، بما يضمن عدم انقطاع العمل المؤسسي واستمرار المشاريع والخطط.
وتكمن أهمية هذه الحقيبة في طبيعة الملفات التي تحتويها، فبعضها بالغ التعقيد، وبعضها الآخر تراكمت عليه الإشكالات حتى تكلست مفاصلها، فأصبحت معالجته تتطلب قرارات شجاعة وإرادة سياسية واضحة.
هناك ملفات ترتبط بالاقتصاد والموازنة، وأخرى بالأمن والاستقرار، وثالثة بالتنمية والخدمات، فضلاً عن التعليم والصحة والغذاء والدواء والزراعة والعلاقات الخارجية، وغيرها من الملفات التي لا تحتمل التأجيل.
ولا يمكن إنكار أن حكومة السوداني، بذلت جهوداً استثنائية في التعامل مع كثير من هذه الملفات، فنجحت في بعضها وتعثرت في بعضها الآخر، فيما بقيت ملفات أخرى خارج نطاق المعالجة الكاملة، ليس بسبب التهاون أو ضعف الإرادة، بل نتيجة تعقيدات المشهد الداخلي والضغوط الإقليمية والدولية، سيما خلال السنتين الأخيرتين من عمرها البالغ ثلاث سنوات ونيّف.
ولعل من أبرز نجاحات الحكومة الحالية قدرتها على إبعاد العراق، وبشق الأنفس، عن تداعيات حرب الخليج الأخيرة، ومنع انزلاقه إلى قلب الصراع الإقليمي، وهو إنجاز سياسي وأمني بالغ الأهمية، غير أن هذا النجاح كان يمكن أن يكتسب أثراً اقتصادياً أكبر لو مضت الحكومة في تنفيذ مشروع أنبوب النفط الاستراتيجي (البصرة – حديثة – العقبة)، الذي كان من الممكن أن يشكل منفذاً حيوياً للعراق، في ظل إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط بنحو غير مسبوق.
من هنا، ينبغي أن يكون هذا المشروع في مقدمة الملفات التي تتضمنها الحقيبة الوزارية للحكومة المقبلة، إلى جانب ملفات الموازنة العامة، والإصلاحات الاقتصادية، وتنويع مصادر الإيرادات، وتحقيق التوازن في العلاقات الخارجية، بما يحفظ مصالح العراق ويعزز استقراره.
المعطيات الحالية تشير إلى أن ظروف الحكومة المقبلة قد تكون أفضل نسبياً من سابقتها، بلحاظ حجم التأييد الذي حظيت به قبل تشكيلها، فضلًا عن توقعات الخبراء باستمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، مع احتمالات عودة الاستقرار إلى حركة الملاحة والطاقة بعد انحسار التوترات الإقليمية.
لكن النجاح لا تصنعه الظروف وحدها، بل تصنعه القدرة على قراءة الواقع، وحسن إدارة الملفات، والاستفادة من دروس المرحلة السابقة، وهنا تبرز الحقيبة الوزارية ليس بوصفها إجراء بروتوكولياً، بل باعتبارها وثيقة دولة، يجب أن تُكتب بمهنية عالية، وأن تُسلَّم بمسؤولية وطنية، لأنها تمثل نقطة الانطلاق الحقيقية لأي حكومة تسعى إلى الإنجاز وتكامل المسارات، لا أن تكون البداية صفرية.



